أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
119
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
شَيْءٍ » مفعول به زيدت فيه « مِنْ » لوجود شرطي الزيادة . قوله : « نُوراً » منصوب على الحال ، وفي صاحبه وجهان ، أحدهما : أنه الهاء في « بِهِ » ، فالعامل فيها « جاءَ » . والثاني : أنه « الْكِتابَ » ، فالعالم فيه « أَنْزَلَ » و « لِلنَّاسِ » صفة ل « هُدىً » . قوله : « تَجْعَلُونَهُ » يقرأه ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة ، وكذلك : « يبدونها ويخفون » . والباقون بتاء الخطاب في ثلاثة الأفعال . فأما الغيبة فللحمل على ما تقدم من الغيبة في قوله : « وَما قَدَرُوا . . . إلى آخره » ، وعلى هذا فيكون في قوله : « وَعُلِّمْتُمْ » تأويلان : أحدهما : أنه خطاب لهم أيضا ، وإنّما جاء به على طريقة الالتفات . والثاني : أنه خطاب للمؤمنين ، اعترض به بين الأمر بقوله : « قُلْ مَنْ أَنْزَلَ » ، وبين قوله : « قُلِ : اللَّهُ » . وأما قراءة تاء الخطاب ففيها مناسبة لقوله : « وعلّمتم فلم تعلموا أنتم » ، ورجّعها مكي ، وجماعة ، لذلك قال مكي : « وذلك أحسن في المشاكلة والمطابقة ، واتصال بعض الكلام ببعض ، وهو الاختيار لذلك ، ولأن أكثر القراء عليه » . قال الشيخ : « ومن قال : إنّ المنكرين العرب ، أو كفّار قريش لم يكن جعل الخطاب لهم ، بل يكون قد اعترض ببني إسرائيل ، فقال خلال السؤال والجواب : « تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ » ، ومثل هذا يبعد وقوعه لأن فيه تفكيكا للنظم ، حيث جعل أول الكلام خطابا للكفار ، وآخره خطابا لليهود . قال « 1 » : وقد أجيب أن الجميع لما اشتركوا في إنكار نبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء بعض الكلام خطابا للعرب ، وبعضه خطابا لبني إسرائيل . قوله : « تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ » يجوز أن تكون « جعل » بمعنى « صيّر » ، وأن تكون بمعنى « ألقى » أي : يضعونه في كاغد ، وهذه الجملة في محل نصب على الحال ، إمّا من « الْكِتابَ » ، وإمّا من الهاء في « بِهِ » كما تقدم في « نُوراً وَهُدىً » . قوله : « قَراطِيسَ » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه على حذف حرف الجرّ ، أي : في قراطيس وورق ، فهو شبيه بالظرف المبهم ، فلذلك تعدى إليه الفعل بنفسه . والثاني : أنه على حذف مضاف ، أي : تجعلونه ذا قراطيس . والثالث : أنهم نزلوه منزلة القراطيس . وقد تقدم تفسير القراطيس . والجملة من قوله : « تُبْدُونَها » في محل نصب صفة ل « قَراطِيسَ » ، وأما « تُخْفُونَ » فقال أبو البقاء : إنّها صفة أيضا لها ، وقدّر ضميرا محذوفا ، أي : وتخفون منها كثيرا . « وأما مكي فقال : « وَتُخْفُونَ » مبتدأ لا موضع له من الإعراب انتهى » . كأنه لما رأى خلو الجملة من ضمير يعود على « قَراطِيسَ » منع كونه صفة ، وقد تقدم أنه مقدر ، أي : منها ، وهو أولى . وقد جوّز الواحدي في « تبدون » أن يكون حالا من ضمير « الْكِتابَ » من قوله : « تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ » ، على أن يجعل « الْكِتابَ » القراطيس في المعنى ، لأنه مكتتب فيها انتهى » . قوله : « على أن يجعل » اعتذار عن مجيء ضميره مؤنثا ، وفي الجملة فهو بعيد ، أو ممتنع . قوله : وَعُلِّمْتُمْ يجوز أن يكون - على قراءة الغيبة في « يجعلونه » وما عطف عليه - مستأنفا ، وأن يكون حالا ، وإنما أتى به مخاطبا لأجل الالتفات . وأما على قراءة تاء الخطاب فهو حال ، ومن اشترط « قد » في
--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 178 ) .